فصل: (مسألة:ما يستحب في الصلاة لأجل التلاوة)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[مسألة:ما يستحب في الصلاة لأجل التلاوة]

المستحب للمصلي إذا مرت به آية رحمةٍ: أن يسألها، وإن مرَّت به آية عذاب أن يتعوذ منه، سواء كان إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا.
وقال أبو حنيفة: (يستحب ذلك في النفل دون الفرض).
دليلنا: ما روي عن حذيفة: أنه قال: «صليت خلف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقرأ (البقرة)، فما مرَّت به آية رحمة، إلا سألها، ولا آية عذاب، إلا استعاذ منه، وكذلك سورة: (آل عمران)، و: (النساء)، حتى هممت بأمر سوءٍ، فقيل له: وما هو؟ فقال: أردت أن أقطع الصلاة»، ولأن ما لا يكره في النفل، لا يكره في الفرض، كسائر الأذكار. وبالله التوفيق.

.[باب ما يفسد الصلاة ويكره فيها]

إذا أحدث في الصلاة عامدًا، مثل أن يقصد إلى الحدث، مع علمه أنه في الصلاة، أو أحدث ناسيًا، مثل: أن ينسى أنه في الصلاة، فيقصد إلى الحدث.. فإن طهارته وصلاته تبطلان، وهو إجماع؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في الصلاة، فينفخ بين أليَتَيْهِ، ويقول: أحدثت، فلا ينصرف، حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا». وهذا قد سمع الصوت، أو وجد الريح.
وإن سبقه الحدث، وهو في الصلاة، مثل: أن يخرج منه الريح، أو الغائط، أو البول بغير اختياره، أو يكره على الحدث.. فإن طهارته تبطل بلا خلاف، وهل تبطل صلاته؟ فيه قولان:
الأول: قال في القديم: (لا تبطل صلاته، فيتوضأ ويبني على صلاته). وروي ذلك عن عمر، وعليٍّ، وابن عمر.
وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وداود، إلا أن أبا حنيفة قال: (إذا غلبه المنيُّ، أو شجه آدمي، فخرج منه الدَّم.. بطلت صلاته).
وقال الثوري: إن كان حدثه من رعافٍ، أو قيءٍ.. توضأ وبنى، وإن كان من بولٍ، أو ريحٍ، أو ضحكٍ.. أعاد الوضوء والصلاة.
ووجه قوله القديم ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من قاء أو رعف.. فليتوضأ، وليبن على صلاته، ما لم يتكلم». وفي روايةٍ: «إذا قاء أحدكم، أو قلس.. فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على ما مضى، ما لم يتكلم».
ولأنه حدث حصل بغير اختياره، فهو كسلس البول.
والثاني: قال في الجديد: (تبطل صلاته). وبه قال ابن سيرين، وهو الأصح؛ لما روى أبو داود في "سننه": أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا قاء أحدكم في صلاته.. فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته».
ولأن هذا الحدث يمنع المضيَّ في الصلاة، فمنع البناء عليها، كحدث العمد، والخبر الأول مرسل.
فإذا قلنا بقوله القديم، وأخرج بقية الحدث، وتوضأ.. كان له أن يبني على صلاته.
واختلف أصحابنا في علته:
فمنهم من قال: لأن الحدث لا يؤثر بعد نقض الطهارة.
ومنهم من قال: لأن به حاجة إلى إخراج بقية الأول؛ ليكمل طهارته، ولم يذكر في "المهذب" غير هذا.
فإن أحدث حدثًا آخر، فإن قلنا بالتعليل الأول.. لا تبطل صلاته، وإن قلنا بالثاني.. بطلت.
وإن كشفت الريح الثوب عن عورته، فرده.. لم تبطل صلاته، لأنه معذورٌ في ذلك، فهو كما لو غُصب منه الثوب في الصلاة.
فإن ترك رُكنًا من أركان الصلاة، كالركوع، والسجود عامدًا.. بطلت صلاته؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للأعرابي حين ترك شيئًا من الأركان: «أعد صلاتك، فإنك لم تصل».
وإن ترك قراءة الفاتحة ناسيًا.. ففيه قولان، مضى ذكرهما.

.[مسألة:الكلام حال الصلاة]

وإن تكلم في الصلاة.. نظرت: فإن كان بالتسبيح، أو التهليل، أو غير ذلك، من ذكر الله ورسوله.. لم تبطل صلاته؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن».
وإن تكلم بكلام يصلح لخطاب الآدميين.. فهذا على أضربٍ:
أحدها: أن يقصد إلى الكلام وهو عالم بأن هذا يبطل الصلاة، وكان ذلك لغير مصلحة الصلاة، غير مجيب للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وغير منذرٍ لأعمى، فهذا تبطل الصلاة به، وهو إجماع لا خلاف فيه، والدليل عليه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين»، وقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الكلام ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء».
الضرب الثاني: أن يتكلم عامدًا عالمًا بتحريمه لمصلحة الصلاة، فهذا يبطل الصلاة عندنا، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك والأوزاعي: لا تبطل به الصلاة.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الكلام ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء»، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا نابكم شيء في الصلاة.. فليسبح الرِّجال، وليصفق النساء».
فلو كان الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها.. لما عدل عنه إلى التسبيح والتصفيق.
ولأنه خطاب لآدمي غير واجب على وجه العمد، مع العلم بتحريمه، فأبطل الصلاة، كما لو كان لغير مصلحة الصلاة.
الضرب الثالث: كلام الناسي، مثل: أن يعتقد أنه سلم، أو أنه ليس في الصلاة، فتكلم، ولا يطيل الكلام، فهذا لا تبطل به الصلاة عندنا، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: (تبطل به الصلاة، إلا أن يسلم من اثنتين ناسيًا فلا تبطل به الصلاة).
دليلنا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه».
ومعلوم: أنه لم يرد رفع نفس الخطأ والنسيان والاستكراه؛ لأن ذلك لا يرفع، وإنما أراد رفع حكمه.
وروى مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أبي هريرة: أنه قال: «صلَّى بنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة العصر، فسلم في الركعتين الأوليين، فقام ذو اليدين، وقال: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كلُّ ذلك لم يكن، ثم أقبل على القوم، فقال: أصدق ذو اليدين؟. فقالوا: نعم. فقام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فتمم ما بقي من صلاته، وسجد سجدتي السهو وهو جالس بعد السلام» فموضع الدليل من الخبر: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سلَّم من اثنتين ساهيًا، وعنده أنه آخر الصلاة، فلمَّا قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟.. لم يتذكر سهوه، وقال: «كل ذلك لم يكن»، ثم كلَّم القوم، وقال: «أصدق ذو اليدين؟»، وعنده أنه خارج من الصلاة، فلمَّا قيل له: نعم.. تذكر السهو، فرجع، وبنى على صلاته، وسجد للسهو.
فإن قيل: فلم لم يبطل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة ذي اليدين؟
قلنا: لأنه تكلم وعنده أنه قد خرج من الصلاة، لأن النسخ يومئذ كان جائزًا، ولكن جوِّز أيضًا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سها في صلاته، فلمَّا احتمل الأمران عنده حمل أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الصواب، وقال: "أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ ".
فإن قيل: فلِمَ لم يبطل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة القوم الذين أجابوه، وقد كان عندهم أنهم في الصلاة؟ قلنا: قد روى جماعةٌ عن أبي هريرة: أنهم لم يقولوا: نعم، وإنما أومؤوا برؤوسهم، أي: نعم.
وروى جماعةٌ عنه: أنهم قالوا: نعم، فتحمل رواية من روى أنهم قالوا: نعم،
على أنهم رووه على المعنى، وعلى أنه: وإن صحَّ أنهم قالوا: نعم.. فإن صلاتهم لا تبطل بذلك، لأن ذلك جوابٌ للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وذلك لا يبطل الصلاة.
والدليل عليه: ما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرَّ على أبيٌّ بن كعبٍ، وهو يصلي في المسجد، فسلَّم عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فالتفت إليه أبيٌّ، ولم يجبه، ثم إن أُبيًّا خفَّف الصلاة، وانصرف إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال: السلام عليك يا نبي الله، قال: وعليك السلام، ما منعك أن تجيبني إذ دعوْتك؟ فقال: كُنت أُصلي يا رسول الله، قال: ألم تجد فيما أوحي إليَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]، فقال: بلى يا رسول الله، لا أعود».
فإن قيل: فما معنى قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كلُّ ذلك لم يكن». وقد علم أن أحدهما قد كان؟
فالجواب: أن القصر والنسيان لم يكونا، وإنما كان أحدهما.
وقيل: بل قال ذلك على مبلغ علمه؛ لأنه كان عنده أنه قد خرج من الصلاة، وفرغ منها، فقال: «كل ذلك لم يكن»، أي: ما قصرت الصلاة ولا نسيت، والسهو يجوز عليه، ولكنه لا يقرُّ عليه.
فإن قيل: أفيجوز للإمام أن يرجع إلى قول المأمومين، كما رجع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى قول المأمومين؟
فاختلف أصحابنا في الجواب عنه: فقال الشيخ أبو حامد: لم يرجع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى قولهم تقليدًا لهم، وإنَّما تذكَّر سهوهُ بقولهم، وبنى صلاته على يقين نفسه، لا بقولهم.
ومنهم من قال: إنَّما رجع إلى قولهم؛ لأنهم كانوا جماعة عظيمة، لا يجوز اجتماعهم على الخطأ. وهذا قول أبي عليٍّ في "الإفصاح".
قال الشيخ أبو حامد: وحدُّ الكلام اليسير الذي لا تبطل صلاة الناسي به، هو الكلمة والكلمتان والثلاث ونحوها.
قال ابن الصباغ: حدُّ اليسير منه: مثل كلام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لذي اليدين.
فإن كثر كلام الناسي.. ففيه وجهان:
الأول: من أصحابنا من قال: تبطل صلاته. وزعم هذا القائل أن هذا مذهب الشافعي؛ لأنه قال: (ومن تكلم في الصلاة ساهيًا، أو ترك شيئًا من صلب الصلاة.. بنى، ما لم يتطاول الفصل).
قال ابن الصباغ: وهو الأصحُّ، ووجهه: أن الفصل إذا طال.. أبطل الصلاة، فكذلك الكلام.
والثاني: قال أبو إسحاق: لا تبطل صلاته.
قال المحاملي: وهو القياس؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفع عن أُمتي الخطأ والنسيان..». ولم يفرق بين القليل والكثير.
وأنه خطاب آدمي على وجه السهو.. فلم يبطل الصلاة، كاليسير، ويفارق القول الفعل، فإن الفعل آكد، أنه ينفذ إحبال المجنون، ولا ينفذ عتقه.
وأما قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فإنما أراد: إذا سلَّم.. بنى على صلاته، ما لم يتطاول الفصل.
الضرب الرابع: أن يقصد إلى الكلام، وهو يجهل أن الكلام يبطل الصلاة، فلا تبطل صلاته بذلك.
وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، والشعبيُّ.
وقال أبو حنيفة: (تبطل صلاته).
دليلنا: ما روي عن معاوية بن الحكم: «أنه قال: بينا أنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فحدَّقني القوم بأبصارهم، فلمَّا رأيتهم ينكرون عليَّ.. قُلت: واثكل أمَّاه! ما لكم تنظرون إليَّ، فأخذوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يُسكتُونني، فلمَّا علمت أنهم يسكتونني.. سكت، فلمَّا انصرف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من صلاته.. دعاني - بأبي وأمي ما رأيت معلِّمًا أحسن تعليمًا منه، والله ما كهرني، ولا شتمني، ولا ضربني - وقال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الآدميين، إنما هي التكبير، والتسبيح، والقراءة. وروي: وتلاوة القرآن». ولم يأمره بالإعادة.
و (الكهر): الانتهار. وقد روي في قراءة عبد الله بن مسعود: (وأما السائل فلا تكهر).

.[فرع: سبق الكلام ونحوه في الصلاة]

وإن سبق لسانه إلى الكلام من غير قصد إليه، أو غلبه الضحك.. لم تبطل صلاته؛ لأنه معذورٌ في ذلك، فلم تبطل به الصلاة، كالناسي.
وإن طال الكلام، وهو جاهل، أو مغلوبٌ.. فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق، كالوجهين في كلام الناسي إذا طال.

.[فرع: الحزن والبكاء في الصلاة]

وإن حزن في الصلاة، ففاضت عيناه.. لم تبطل صلاته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58].
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل». (والأزيز): غليان صدره، وحركته بالبكاء.
فإن تنحنح، أو أَنَّ، أو تنفس، أو نفخ، فإن تبين منه حرفان، مثل أن يقولك آه، أو واه، أو أف.. بطلت صلاته؛ لأن ذلك يُعدُّ كلامًا. وإن لم يتبين منه حرفان، مثل أن يقول: فٍ، ومدَّ بها صوته.. لم تبطل صلاته.
وقال أبو حنيفة: (إذا نفخ.. بطلت صلاته بكل حالٍ، وإن تأوَّه، أو أَنَّ لمرضٍ.. بطلت صلاته، وإن كان لخوف الله تعالى.. لم تبطل صلاته وإن بان منه حرفان).
دليلنا: ما روي عن عبد الله بن عمرو: أنه قال: «كُسِفَتِ الشمس على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حتى آضت كالتنومة، فصلَّى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة الكسوف، فلمَّا كان في آخر سجدةٍ.. جعل ينفخ، ويبكي، وقال: اللَّهم لم تعدني وأنا فيهم، اللهم لم تعدني هذا ونحن نستغفرك. فلمَّا قضى صلاته.. قال: والذي نفسي بيده، لقد عرضت علي النار، حتى إني لأطفئها؛ خشية أن تغشاكم». فلولا أنه نفخ، ورفع صوته.. لما سمع.
ولأنَّ ما بان حرفان.. يعدُّ كلامًا، فبطلت به الصلاة، كما لو كان لمرض.
قال الشيخ أبو حامدٍ: والقهقهة في الصلاة، كالأنين والنفخ، إن تبيَّن منها حرفان.. أبطلت الصلاة، وإن لم يتبيَّن منها حرفان.. لم تبطل الصلاة.

.[فرع: إنذار الأعمى ونحوه]

فإن رأى المصلِّي أعمى أو صغيرًا يريد الوقوع في بئر، أو من شاهقٍ، أو رأى حيةً أو عقربًا تدب إليه.. فإنه يجب عليه أن ينذره، فإن أنذره بالقول.. فهل تبطل صلاته بذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تبطل صلاته بذلك؛ لأنه واجب عليه، فلم تبطل به صلاته، كإجابة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
والثاني: تبطل صلاته؛ لأن ذلك ليس بمُتحقَّقٍ؛ لأنه قد لا يقع في البئر والشاهق، ولا تبلغهُ الحيَّةُ والعقربُ.

.[فرع: القراءة في النفس]

قال القاضي أبو الفتوح بن أبي عمامة في "التحقيق": إذا قال الإمام: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فقال المأموم: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5]، فإن أراد التلاوة.. لم تبطل صلاته، وإن لم يرد التلاوة.. بطلت صلاته، وكذلك إذا قال: استعنَّا بالله، أو: نستعين بالله. وإن قرأ المصلّي كتابا بين يديه، فيه شعرٌ، أو غيره من الكلام، في نفسه، ولم ينطق به لسانه.. كره له ذلك، ولم تبطل به صلاته؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «تجاوز الله لأُمتي عما حدَّثت به نفوسها، ما لم يتكلّموا به».
وإن قرأ في المصحف في الصلاة.. لم تبطل صلاته. وقال أبو حنيفة: (تبطل، إلا أن تكون آية قصيرة).
دليلنا: أنه قراءةٌ، فلم تبطل به الصلاة، كالآية القصيرة.

.[فرع: إيجاز الصلاة لحاجة]

إذا ناب المصلِّي شيءٌ في صلاته.. فله أن يوجز في صلاته، سواء ناب الإمام أو المأموم، مثل: أن يكون مسافرًا، فترحل القافلة، أو يقع الحريق في متاع رجل، وما أشبه ذلك؛ لما روى أنسٌ: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إني لأدخل في الصلاة أريد أن أُطيلها، فاستمع بكاء الصبي من روائي، فأتجوَّز في صلاتي؛ لما تجد أمُّهُ في قلبها من بكائه» فأخبر - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه كان يتجوَّز لما ينوبُ الأمَّهات من بكاء أولادهنَّ، فدل على جواز ذلك.
وإن أراد المصلِّي أن يعلم غيره، مثل: أن سها إمامه، فأراد أن يعلمه بسهوه، أو غير ذلك.. فيستحبُّ للرجل أن يسبح، وللمرأة أن (تصفِّق) وهو: أن تضرب ببطن كفِّها الأيمن على ظهر كفِّها الأيسر.
وقيل: تضرب بأصبع يمينها على ظهر كفِّها الأيسر.
وقال مالك: (يسبح الرجل والمرأة).
دليلنا: ما روى أبو داود، عن سهل بن سعدٍ: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا نابكم شيء في الصلاة.. فليسبح الرِّجال، وليصفق النساء».
فإن صفَّق الرجل، وسبحت المرأة.. لم تبطل صلاتهما، إلا أنهما خالفا السُّنَّة.
فإن صفَّق الرجل أو المرأة على وجه اللهو، لا الإعلام، قال ابن الصباغ: بطلت صلاتهما؛ لأن اللَّعب ينافي الصلاة.
وإن أفهم غير إمامه بالتسبيح، أو التكبير، أو التهليل، أو القرآن.. لم تبطل صلاته.
قال أبو حنيفة: (إن نبَّه إمامه أو المارَّ بين يديه.. لم تبطل صلاته، وإن نبَّه غيرهما بطلت صلاته).
دليلنا: ما ذكرناه من الخبر، ولم يفرق. لأن هذا تنبيه بذكر الله تعالى، فلم تبطل به صلاته، كما لو نبَّه به إمامه.
وإن أراد الإذن لرجل بالدخول، فقال: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 46]، فإن لم يقصد بذلك التلاوة.. بطلت صلاته؛ لأنه من كلام الآدميين. وإن قصد التلاوة والإعلام.. لم تبطل صلاته؛ لأن قراءة القرآن لا تبطل الصلاة.
وحكى الطبري وجهًا آخر في "العدة": أن صلاته تبطل. قال: وكذلك إذا سبَّح، أو كبَّر، وقصد به الذكر والإعلام.. بطلت صلاته. وليس بشيءٍ؛ لما ذكرناه من الخبر.
وإن شمَّت المصلِّي عاطسًا، بأن قال له: يرحمُك الله، أو: رحمك الله، وهو عالمٌ بتحريمه.. بطلت صلاته؛ لأن الصحابة أنكرت على معاوية بن الحكم تشميت العاطس في الصلاة، واقرَّهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ذلك، فلو كان لا يبطل الصلاة، لما كان لإنكارهم معنى.
وروى يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي: أنه قال: (لا تبطل صلاته، لأنه دعاءٌ بالرحمة، فهو كالدعاء لأبويه بالرَّحمة).
والمشهور من المذهب هو الأوَّل؛ لأنه كلامٌ وُضع لمخاطبة الآدمي، فهو كردِّ السلام.

.[مسألة:أكل المصلي]

وإن أكل المصلِّي، أو شرب عامدًا عالما بالتحريم.. بطلت صلاته، وحكي عن سعيد بن جبير: أنه شرب الماء في صلاة النفل.
وقال طاووس: لا بأس بشرب الماء في النافلة.
دليلنا: أن الأكل والشرب أعظم أثرًا في العبادة من الكلام، فلمَّا ثبت أن الكلام على وجه العمد يبطل الصلاة.. فلأن تبطل الصلاة بالأكل والشرب على وجه العمد أولى.
وإن كان بين أسنانه طعامٌ، فنزل الريقٌ به إلى جوفه.. لم تبطل صلاته بذلك؛ لأن الاحتراز منه لا يمكن، ولهذا لا يبطل به الصوم.
وإن ترك في فمه سُكَّرةً، ولم ينزل منها إلى جوفه شيءٌ.. لم تبطل صلاته؛ لأن ذلك لا يبطل الصوم، وإن نزل منها شيءٌ إلى جوفه.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو حامد: لا تبطل صلاته بذلك لأنه لم يبتلعه باختياره، ولا ازدرده، وإنما جرى ذلك مع ريقه، فأشبه الريق.
وقال صاحب "الإبانة": تبطل صلاته؛ لأنه يبطل بذلك صومه؛ ولأن الصوم شرط في الصلاة.
وإن أكل ناسيًا أو جاهلاً، ولم يطل الأكل.. لم تبطل صلاته، كما لا يبطل الصوم بذلك.
وإن كان كثيرًا فهل تبطل الصلاة به؟ فيه وجهان، حكاهما صاحب "الإبانة".

.[مسألة:العمل اليسير في الصلاة]

وإن عمل في الصلاة عملاً ليس منها.. فلا يخلو: إما أن يكون من جنس أفعالها، أو من غير جنس أفعالها:
فإن كان من جنس أفعالها، مثل: أن يركع، أو يسجد في غير موضعه، فإن كان عامدًا عالمًا بتحريمه.. بطلت صلاته؛ لأنه متلاعب في الصلاة، وإن كان ناسيًا.. لم تبطل صلاته، سواء كان قللاً أو كثيرًا؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلَّى الظهر خمس ركعات ساهيًا.
وإن فعل ذلك جاهلاً.. لم تبطل صلاته؛ لأنه معذور، فلم تبطل به صلاته، كالناسي.
وإن قام في الرابعة من الظهر قبل السلام، وأحرم بالعصر، فإن كان عامدًا عالمًا بتحريمه.. صحَّ إحرامه بالعصر؛ لأن بقيامه عمدًا قبل السلام، بطل ظُهرهُ، فصحَّ شروعه في العصر، وإن قام ناسيًا أو جاهلاً.. لم يبطل الظهر، ولم يصحَّ إحرامًه بالعصر.
وإن قرأ فاتحة الكتاب في الركعة مرتين عامدًا.. ففيه وجهان:
أحدهما: تبطل صلاته؛ لأنه زاد ركنًا في الصلاة عامدًا، فبطلت به الصلاة، كما لو زاد ركوعًا، أو سجودًا.
والثاني: لا تبطل صلاته، وهو المنصوص في صلاة المريض؛ لأنه زيادة ذكر، فهو كما لو قرأ السورة بعد الفاتحة مرتين.
وإن عمل في الصلاة عملاً ليس من جنسها.. نظرت: فإن كان قليلاً، مثل: دفع المارِّ بين يديه، وفتح الباب، وخلع النعل، وإصلاح الرداء عليه، والحمل، أو الوضع، أو الإشارة، وما أشبه ذلك.. لم تبطل صلاته؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر المصلِّي بدفع المارِّ بين يديه»، و: «خلع نعليه في الصلاة»، و: «حمل ابنة ابنته، وهي أمامةُ بنت أبي العاص، وهو يصلي، فكان إذا سجد.. وضعها وإذا قام.. رفعها»، و: «سلم عليه الأنصار وهو يصلي، فردَّ عليهم بالإشارة»، وهو إجماع لا خلاف فيه. ولأن المصلِّي لا يخلو من عمل قليلٍ، فعُفي عنه.
وإن عمل عملاً كثيرًا متواليًا.. بطلت صلاته، لأنه لا حاجة به إليه، فأبطل الصلاة، كالكلام، ولا فرق في العمل الكثير، بين أن يفعله عامدًا عالمًا بتحريمه، أو ناسيًا، أو جاهلاً؛ فإنه يبطل الصلاة.
والفرق بينه وبين القول: أن الفعل أقوى من القول، ولهذا ينفذ إحبال المجنون؛ لكونه فعلاً، ولا ينفذ إعتاقه؛ لكونه قولاً.
فإن قيل: فلم قلتم: إن الفعل أقوى من القول، وقد قلتم: إنه يجوز للمصلي أن يفعل فعلاً قليلاً قاصدًا له، ولا تبطل به صلاته، ولا يجوز أن يتكلم بالكلام اليسير قاصدًا إليه؟
فالجواب: أنا إنما قلنا: الكثير أقوى في إبطال الصلاة من القول؛ لأنه لا حاجة به إلى الفعل الكثير المتوالي، وبالمصلي حاجةٌ إلى القليل من الفعل، ولا حاجة به إلى الكلام القليل، فلذلك أبطل عمده الصلاة.
فإن عمل في الصلاة عملاً كثيرًا متفرقًا.. لم تبطل به صلاته؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمل أمامة بنت أبي العاص في الصلاة، فكان إذا قام.. رفعها، وإذا سجد.. وضعها». ولم تبطل الصلاة بذلك، لتفرُّقه، ولأن الكثير إذا تفرَّق.. فكلُّ جزءٍ منه قليل بنفسه.
واختلف أصحابنا في حدِّ العمل القليل والكثير:
فقال الشيخ أبو حامد: المرجع في ذلك إلى العُرف والعادة، إلا أن الشافعيَّ نصَّ على: (أن الفعلة الواحدة عملٌ قليلٌ، والثلاث فعلاتٌ).
قال أصحابنا: وفي الخطوتين والضربتين إذا توالتا.. وجهان:
أحدهما: لا تبطلان الصلاة؛ لـ «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلع نعليه». وهذان فعلان.
والثاني: تبطلان الصلاة؛ لأنهما عمل متكرِّرٌ، فهما كالثلاث.
وقال القفَّال: الكثير ما لو نظر إليه الناظر.. تصور عنده أنه ليس في الصلاة، وما دون ذلك يكون قليلاً.
ومن أصحابنا مَنْ قال: حدُّ القليل: كل عمل لا يحتاج فيه إلى اليدين، مثل: حكَّ الجربان، والكثير: ما يحتاج فيه إلى اليدين، مثل: كور العمامة. وهذا ليس بصحيح.